You must enable JavaScript to view this site.
This site uses cookies. By continuing to browse the site you are agreeing to our use of cookies. Review our legal notice and privacy policy for more details.
Close
Homepage > Regions / Countries > Middle East & North Africa > North Africa > Tunisia > حدود تونس بين جهاد وتهريب

حدود تونس بين جهاد وتهريب

Michaël Béchir Ayari, الحياة   |   21 Dec 2013

ترزح تونس تحت وطأة أزمات سياسية متكررة بات من الواضح أنها تضرب بجذورها في تدهور الوضع الأمني. على الرغم من أن الهجمات الجهادية لا تزال منخفضة الشدة، إلا أنها في ازدياد ينذر بالخطر. تتبادل الحكومة الائتلافية، التي تهيمن عليها حركة النهضة الإسلامية، والمعارضة العلمانية الاتهامات، وتسيّسان قضايا الأمن الوطني بدلاً من معالجتها. في هذه الأثناء تتسع الفجوة بين تونس الحدود التي باتت بؤرة للجهاد والتهريب، وتونس العاصمة والساحل التي تنتابها المخاوف من هشاشة المناطق الداخلية التي تخشاها أكثر مما تفهمها

ويرجع الارتفاع المثير للقلق في وتيرة عمليات التهريب عبر الحدود بشكل أساسي إلى الفراغ الأمني الذي أعقب الانتفاضة ضد نظام بن علي، وإلى الفوضى التي أنتجتها الحرب في ليبيا، ففيما كان التهريب منذ وقت طويل المصدر الوحيد للدخل لأعداد كبيرة من سكان المناطق الحدودية، إلا أن الإتجار بسلع خطيرة ومربحة أصبح يشكّل مصدراً لمخاوف عميقة، إذ باتت المخدرات الخطيرة إضافة إلى كميات حتى الآن صغيرة نسبياً من الأسلحة والمتفجرات تدخل البلاد على نحو بشكل منتظم من ليبيا. وعلى نحو مماثل، فإن النصف الشمالي من الحدود التونسية- الجزائرية بات منطقة تشهد عمليات تهريب متزايدة للحشيش والأسلحة الخفيفة. تزيد هذه الأنشطة من قدرة الجهاديين على التعطيل وإثارة القلاقل وترفع من حدة الفساد في أوساط السلطات الحدودية

وعلى النقيض مما يعتقد كثيرون، لم تتدفق المعدات العسكرية القادمة من ليبيا بذاك الشكل الهائل على البلاد. لكن في الوقت ذاته لا ينبغي التقليل من أهمية هذا الخطر. لا شك بأن الحرب في ليبيا كان لها تداعيات أمنية وأن المجموعات المسلحة في المناطق الحدودية والتي شنت هجمات ضد أعوان الحرس الوطني والجيش والشرطة، أصبحت تشكل تهديداً أمنياً كبيراً فاقم منه عودة المقاتلين التونسيين من سورية. وفي السياق ذاته، فإن تبعات الانتفاضة التونسية والحرب الليبية دفعت إلى إعادة تنظيم كارتيلات التهريب (التجار على الحدود مع الجزائر، والقبائل على الحدود مع ليبيا)، مما يضعف سيطرة الدولة ويمهد الطريق لأنماط أكثر خطورة من التهريب

يضاف إلى هذا الخليط حقيقة أن الأنشطة الإجرامية والتطرف الإسلامي باتا يمتزجان في ضواحي المدن الكبرى وفي القرى النائية الفقيرة. بمرور الوقت، فإن نشوء ما يُسمى العصابات الإسلاموية يمكن أن يساهم في ظهور مجموعات تجمع بين الجهاد والجريمة المنظمة داخل شبكات التهريب العاملة على الحدود، أو الأسوأ من ذلك، إلى التعاون بين الكارتيلات والجهاديين

واضح أن معالجة المشاكل الحدودية تتطلب تعزيز الإجراءات الأمنية، إلاّ أن هذه الإجراءات لن تكون كافية بحد ذاتها. حتى مع استعمال أكثر آليات السيطرة على الحدود تقدماً من الناحية التقنية، فإن سكان هذه المناطق الذين ينظّمون أنفسهم في شبكات ويعتَبرون من أفقر سكان البلاد سيظلون قادرين على المساعدة على تمرير السلع والأشخاص عبر الحدود أو منع ذلك. كلما تنامى شعورهم بالإحباط الاقتصادي والاجتماعي، كلما تضاءلت رغبتهم بحماية سلامة أراضي البلاد مقابل التسامح النسبي إزاء أنشطتهم في مجال التهريب

وهكذا فإن تهريب الأسلحة والمخدرات، إضافة إلى تحرك المقاتلين الجهاديين، بات رهينة للمفاوضات غير الرسمية بين أمراء الاقتصاد غير المنظم وممثلي الدولة. منذ سقوط نظام بن علي، بات التوصل إلى مثل هذه التفاهمات أكثر صعوبة. وكانت نتيجة ذلك إضعاف فعالية الإجراءات الأمنية وندرة توافر المعلومات الاستخبارية المستقاة من العناصر البشرية التي تلعب دوراً حاسماً في مواجهة التهديدات الإرهابية أو الجهادية. في ظل مناخ محلي وإقليمي متقلب، فإن استعادة الثقة بين الأحزاب السياسية والدولة وسكان المناطق الحدودية يوازي في أهميته تعزيز السيطرة العسكرية في أكثر المناطق عرضة للاختراق

على المدى البعيد، فإن حداً أدنى من الإجماع بين القوى السياسية حول مستقبل البلاد هو وحده الكفيل باستعمال مقاربة ناجعة حقاً لمعالجة قضية الحدود. إلا أن نهاية الأزمة السياسية تبدو بعيدة حالياً، حيث إن النقاشات المتعلقة بتشكيل حكومة جديدة والانتهاء من وضع دستور جديد وقانون انتخاب جديد وتعيين هيئة انتخابية جديدة لا تزال بين أخذ ورد. ودون تسوية لهذه القضايا، من المرجح أن ترتفع حدة الاستقطاب وأن يسوء الوضع الأمني، وأن يتهم كل طرف الطرف الآخر باستغلال الإرهاب لغايات سياسية. وهكذا فإن تجاوز أزمة الثقة بين الائتلاف الحاكم والمعارضة يعد محورياً للخروج من هذه الحلقة المفرغة

إلا أن المأزق السياسي الراهن لا يعفي من تحقيق بعض التقدم الفوري على الجبهة الأمنية. العمل معاً لتعزيز عمليات السيطرة على الحدود، وتحسين العلاقات بين السلطات المركزية وسكان المناطق الحدودية إضافة إلى تحسين العلاقات بين دول المغرب العربي: هذه كلها مهام يمكن إنجازها فقط بعد تسوية الصراعات السياسية الكامنة تحتها لكن، وفي هذه الأثناء، لا تملك الجهات الفاعلة تجاهلها

 
This page in:
English
العربية